أبو الليث السمرقندي
222
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أمر الآخرة ، وحذروهم النار ، ورغبوهم في الجنة . وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني : زهّدوهم في الدنيا ، فلم يقبلوا ، وقد قيل : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني : ما خلق قبلهم ، كيف أهلكهم اللّه ، ومما خلفهم من أمر الآخرة . فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ يعني : تعظموا عن الإيمان عن قول لا إله إلا اللّه ، بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . يقول اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وقواهم ، هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً يعني : بطشا ، ولم يعتبروا بذلك . وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني : جاحدين بما آتاهم هود - عليه السلام - ، أنه لا ينزل بهم . قوله عز وجل : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يعني : ريحا باردا ، ذا صوت ودوي تحرق ، كما تحرق النار . ويقال : رِيحاً صَرْصَراً أي : شديدة الصوت ، فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ . قال مقاتل : يعني : شدائد . وقال الكلبي : يعني : أيام مشؤومات . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ بجزم الحاء ، والباقون : بكسر الحاء ، ومعناهما واحد . ويقال : يوم نحس ، ويوم نحس ، وأيام نحسه ، ونحسه ، والنحسات جمع الجمع . لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ يعني : العذاب الشديد في الدنيا ، قبل عذاب الآخرة . وهذا كقوله : لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [ الروم : 41 ] يعني : ليصيبهم بعض العقوبة في الدنيا . كقوله تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني : يتوبون . ثم قال عز وجل : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ يعني : أشد مما كان في الدنيا . وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ يعني : لا يمنعهم أحد من عذاب اللّه ، لا في الدنيا ، ولا في الآخرة . وَأَمَّا ثَمُودُ قرأ الأعمش : ثَمُودُ بالتنوين . وقراءة العامة بغير تنوين . فَهَدَيْناهُمْ يعني : بيّنا لهم الحق من الباطل ، والكفر من الإيمان . وقال مجاهد : فَهَدَيْناهُمْ أي : دعوناهم . وقال قتادة ومقاتل : بيّنا لهم . وقال القتبي : دعوناهم ، ودللناهم ، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى يعني : اختاروا الكفر على الإيمان . ويقال : اختاروا طريق الضلالة ، على طريق الهدى ، فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ والصاعقة هي العذاب الهون . يعني : يهانون فيه . ويقال : الهون الشديد . بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني : يعملون من الشرك ، والمعاصي . قوله عز وجل : وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يعني : آمنوا بصالح النبي عليه السلام ، وكانوا يتّقون عقر الناقة ، ويتقون الشرك ، والفواحش . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 19 إلى 25 ] وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 20 ) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 )